الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

92

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

فنفرت إبله لما رأت الصّنم « 1 » فغضب الملكاني على الصّنم ورماه بحجر وقال : أتينا إلى سعد ليجمع شملنا * فشتّتنا سعد فما نحن من سعد وهل سعد إلّا صخرة بتنوفة * من الأرض لا تدعو لغيّ ولا رشد وإنما جيء بأفعل التفضيل بواسطة كلمة أَشَدُّ قال التفتازانيّ : آثر أَشَدُّ حُبًّا على أحبّ لأن أحب شاع في تفضيل المحبوب على محبوب آخر تقول : هو أحب إلي ، وفي القرآن : قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [ التوبة : 24 ] إلخ . يعني أن فعل أحب هو الشائع وفعل حب قليل فلذلك خصوا في الاستعمال كلا بمواقع نفيا للبس فقالوا : أحب وهو محب وأشد حبا وقالوا حبيب من حب وأحب إلى من حب أيضا . وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ . عطف على قوله : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ وذلك أن قوله ذلك لما كان شرحا لحال ضلالهم الفظيع في الدنيا من اتخاذ الأنداد للّه مع ظهور أدلة وحدانيته حتى كان قوله : وَمِنَ النَّاسِ مؤذنا بالتعجيب من حالهم كما قدمنا ، وزيد في شناعته أنهم اتخذوا للّه أندادا وأحبوها كحبه ، ناسب أن ينتقل من ذلك أي ذكر عاقبتهم من هذا الصنيع ووصف فظاعة حالهم في الآخرة كما فظع حالهم في الدنيا . قرأ نافع وابن عامر ويعقوب وَلَوْ يَرَى بتاء فوقية وهو خطاب لغير معين يعم كل من يسمع هذا الخطاب ، وذلك لتناهي حالهم في الفظاعة والسوء ، حتى لو حضرها الناس لظهرت لجميعهم ويجوز أن يكون الخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ( فالذين ظلموا ) مفعول ( ترى ) على المعنيين ، و ( إذ ) ظرف زمان ، والرؤية بصرية في الأول والثاني لتعلقها في الموضعين بالمرئيات ، ولأن ذلك مورد المعنى ، إلّا أن وقت الرؤيتين مختلف ، إذ المعنى لو تراهم الآن حين يرون العذاب يوم القيامة ، أي لو ترى الآن حالهم ، وقرأه الجمهور يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا بالتحتية فيكون الَّذِينَ ظَلَمُوا فاعل يَرَى والمعنى أيضا لو يرون الآن ، وحذف مفعول يَرَى لدلالة المقام ، تقديره لو يرون عذابهم أو لو يرون أنفسهم أو يكون

--> ( 1 ) كان هذا الصنم حجرا طويلا ضخما .